سوريا… تاريخ أكبر من أن يختصر بـ 1400 عام


كثيرون يتناولون التاريخ السوري وكأنه بدأ عند دخول الإسلام إليها قبل نحو 1400 عام، غير أن الحقائق الأثرية تكشف لنا أن هذه الأرض كانت مأهولة بالبشر منذ ما يزيد عن مليون و800 ألف سنة. وإذا أجرينا حساباً بسيطاً، فإن الحقبة الإسلامية لا تشكل سوى 0.08% من التاريخ الكامل لهذه الأرض العريقة.

فما الذي حدث خلال كل تلك القرون التي سبقت الإسلام؟ دعونا نستعرض معاً ملامح من هذا التاريخ العميق.

البدايات الأولى: الإنسان القديم

تشير الاكتشافات الأثرية المنتشرة في أرجاء سوريا إلى أن أقدم تواجد بشري تم توثيقه كان في موقع “عين الفيل” شمال مدينة تدمر، حيث تم العثور على أدوات حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأدنى.

أما أقدم تجمّع سكاني معروف في البلاد، فهو موقع “تل الرماد” قرب دمشق، والذي يُعد من أقدم القرى الزراعية في العالم، ويعود تاريخه إلى حوالي 9300 سنة قبل الميلاد. من هنا بدأت نواة الحضارات بالظهور والتطور بشكل تدريجي.

ولادة الحضارة بالمفهوم الكلاسيكي

عندما نتحدث عن الحضارة بمعناها الكلاسيكي – أي مجتمع يمتلك نظام كتابة وقوانين حاكمة – فإن حضارة “إيبلا” تُعتبر أولى الحضارات السورية بهذا التعريف، حيث نشأت قرابة عام 2500 قبل الميلاد. وقد خلفت هذه المملكة القوية أرشيفاً ضخماً يحتوي على أكثر من 17,000 لوح طيني مكتوب بالمسمارية، ما يعكس نظاماً إدارياً متقدماً وثقافة رفيعة.

إلى جانب إيبلا، برزت حضارات سورية أخرى لا تقل أهمية، مثل:

  • حضارة ماري
  • حضارة أوغاريت
  • الدولة الكنعانية
  • الدولة الفينيقية

وكل منها ترك بصمته الواضحة في تاريخ الإنسانية، سواء في الكتابة، أو التنظيم السياسي، أو التجارة والثقافة.

سوريا قبل الإسلام: بين التنوع والتمييز

قبل دخول الإسلام، كانت سوريا جزءاً من الإمبراطورية البيزنطية، وكان الدين الرسمي هو المسيحية. إلا أن المشهد الديني لم يكن موحداً؛ فإلى جانب الأرثوذكس، عاش السريان واليهود، وكانت هناك تمييزات واضحة ضد الطوائف غير الموالية لروما.

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد كان المجتمع السوري آنذاك طبقيًّا بامتياز. كانت النخبة الحاكمة والميسورة تسيطر على مفاصل السلطة والثروة، بينما عاش الفلاحون والطبقات الدنيا تحت وطأة الضرائب المرتفعة والظلم الاجتماعي.

رغم هذه التحديات، تميزت سوريا بغنى ثقافي ومعرفي ملحوظ؛ فالسكان تحدثوا السريانية واليونانية، وازدهرت فيها المدارس والأدب والعلم، وكانت على تواصل حضاري نشط مع كل من الجزيرة العربية وفارس.

أرضية التغيير… وانتشار الإسلام

هذا الواقع المعقّد – الذي امتزج فيه التنوع الثقافي والديني مع الظلم الاجتماعي – مهّد الأرض لاحتضان التغيير. وهكذا، وجد الإسلام طريقه سريعاً إلى قلوب فئات واسعة من المجتمع السوري، وهو ما سنفرد له مقالاً خاصاً لاحقاً.


هل أعجبك هذا العرض التاريخي؟
شاركنا رأيك في التعليقات بكل موضوعية، كما يمكنك مشاهدة فيديو عن هذا الموضوع على الرابط التالي :

https://youtu.be/p-E4OzeKmY4

أضف تعليق