أدونيس… الشاعر الذي اتفقت عليه البشرية واختلف عليه السوريون

حين تبحث عن أدونيس في المقالات الغربية، سواء بالإنجليزية أو الفرنسية، تجد أن جلّ الحديث يدور حول شعره، وأفكاره الفلسفية والإنسانية، عن مشروعه الحداثي، وثورته على الجمود، وإصراره على أن يكون الشعر فعلًا معرفيًا لا زينة لغوية. أما حين تنتقل إلى المقالات العربية، فالصورة مختلفة تمامًا؛ إذ يغلب عليها الطعن في شخصه، أو اتهامه بالطائفية، أو محاولات حشره في قوالب ضيقة لا تليق بمشروعه الكبير.

منذ بداياته، كان واضحًا أن أدونيس ليس شاعرًا عاديًا، بل صوتًا يتجاوز الانتماء الطائفي والجغرافي. كان يكتب لمزارع في الصين كما يكتب لرسام في باريس، دون أن يستجدي هويةً أو يطلب اعترافًا. لكن أفكاره التي فاضت عن حدود المألوف، لم تجد في المشهد العربي بيئة قادرة على احتوائها، فكان الرد عليها هجوميًا، شخصيًا، ومشحونًا بالتشويه.

الهجوم الأول جاء من بوابة الطائفية. فبمجرد أن وجه نقده للفكر الديني وسلطته على المجتمعات، جُرّ إلى مربع الانتماء المذهبي، وبدأت محاولات شيطنته عبر تسليط الضوء على خلفيته الدينية، متناسين أنه انتقد رموز التطرف في طائفته قبل غيرها، وهاجم الفكر المتعصب بكل أشكاله، دون انتقائية أو حسابات طائفية.

الهجوم الثاني جاء مع اندلاع الثورة السورية، إذ وُجهت له تهمة “الحياد المريب” أو حتى “التواطؤ”، رغم أنه كتب رسالة واضحة إلى بشار الأسد، دعاه فيها إلى التنحي إذا عجز عن تلبية مطالب الشعب. لكن الرسالة ضاعت بين صخب الشعارات، ولم تكن كافية لإرضاء من أراد منه خطابًا مطابقًا لشعارات الميادين، لا مشروعًا نقديًا أعمق من اللحظة.

ثم جاءت التهمة الثالثة: “النخبوية”. وهي سلاح كل من عجز عن فهم أدونيس أو مجاراته. فقد أرادوا منه شاعرًا شعبويًا، يهتف للثورة كما يهتف غيره، بينما هو ظل متمسكًا برؤيته بأن التغيير لا يبدأ من الشارع فحسب، بل من تفكيك البنية العميقة للعقل العربي، ومن تحرير اللغة ذاتها من أسر التقليد.

في المقابل، يُحتفى بأدونيس في الغرب كأحد أبرز المفكرين العرب في القرن العشرين. تُدرّس أعماله، وتُترجم قصائده، وتُوضع كتبه على رفوف الجامعات الكبرى. اسمه يرد كل عام ضمن المرشحين لجائزة نوبل، لا لأنه يرضي الجمهور، بل لأنه يزعجه بفكر.

أدونيس، باختصار، ليس شاعرًا يريد أن يُحب، بل مفكر يريد أن يُفهم. مشكلته مع السوريين لم تكن يومًا في موقف سياسي، بل في أنه مرآة صادقة، تعكس ما لا يريد كثيرون رؤيته: هشاشة بنيتنا الثقافية، وقصورنا عن احتضان المختلف.

فلماذا، إذن، كل هذا العداء؟ ربما لأننا لا نغفر لمن يسبقنا… ولا نحب من يُجبرنا على التفكير.

مؤسسة يسار

أضف تعليق