يُعد قانون الأحوال الشخصية أحد أبرز أوجه تنظيم الحياة المدنية في سوريا، نظرًا لارتباطه المباشر بشؤون الزواج، الطلاق، الميراث، والوصاية، وهي قضايا تمس جميع المواطنين بمختلف انتماءاتهم الدينية والثقافية. وقد ظل هذا القانون، بصيغته الموحدة، موضع جدل دائم بين التيارات الدينية والحقوقية، وبين النساء والرجال، وبين مختلف مكونات المجتمع السوري.
المقترح محل النقاش
في الآونة الأخيرة، طُرِح مقترح ينادي بتبني قانونين للأحوال الشخصية، يتيحان للمواطنين حرية الاختيار بين:
- قانون إسلامي، مستمد بشكل كامل من الشريعة الإسلامية.
- قانون مدني، قائم على مبادئ المساواة والمواطنة، ويأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي والديني في المجتمع السوري.
هذا المقترح، وإن بدا على السطح حلاً توفيقيًا، فإنه يثير العديد من الأسئلة العميقة حول الوحدة القانونية، العدالة، المساواة، واستقرار النظام الاجتماعي.
أولًا: الإشكاليات المحتملة التي قد تواجه تطبيق هذا النظام
- تفكيك وحدة النظام القضائي:
وجود قانونين مختلفين قد يؤدي إلى حالة من الازدواجية القانونية، ما يصعّب مهمة القضاة والمحامين، ويؤدي إلى تعقيدات في توحيد الأحكام القضائية. - احتمال التمييز داخل الأسرة الواحدة:
قد يختار الإخوة أو حتى الزوجان قوانين مختلفة، ما يخلق تباينًا داخل الأسرة الواحدة، ويؤدي إلى صراعات قانونية ونزاعات متشابكة في حالات الطلاق أو الميراث. - إمكانية إساءة الاستخدام:
قد يُستغل حق الاختيار بين القانونين لتحقيق مكاسب شخصية، مثل تغيير المذهب أو النظام القانوني بهدف التهرب من التزامات زوجية أو ميراثية. - زيادة العبء على المؤسسات القضائية:
سيتطلب النظام المزدوج تدريبًا خاصًا للقضاة، وإنشاء دوائر متخصصة، مما يشكل عبئًا إداريًا وماليًا على الدولة.
ثانيًا: المشكلات التي يسعى هذا النظام لحلّها
- احترام التعددية الدينية والثقافية:
القانون المعمول به حاليا يقوم على وجود قانونين احدهما اسلامي والاخر مسيحي، وكلاهما لا يراعي وجود نسبة كبيرة من السوريين الذين يؤمنون بقانون مدني يساوي بين الرجل والمرأة بالكامل، بينما القانون الجديد سيرضي المسيحيين الذين يميلون في اغلبهم الى تقضيل القانون المدني، إضافة لباقي الاقليات من الدروز والعلويين والاسماعيليين والأكراد. - تعزيز مبدأ حرية الاختيار الفردي:
يُمكّن المواطن من اختيار النظام القانوني الذي يراه أكثر توافقًا مع قناعاته وقيمه الشخصية، ما يعزز الشعور بالانتماء والعدالة. - حل صراعات بين القانون والمجتمع:
في بعض الحالات، لا يتماشى القانون الإسلامي مع قناعات شرائح واسعة من المجتمع، خصوصًا فيما يتعلق بقضايا مثل تعدد الزوجات أو الميراث غير المتساوي، ما يدفع البعض لطلب تعديلات أو استثناءات.
ثالثًا: الصراعات التي قد يخفف من حدّتها
- الصراع بين التيارات العلمانية والدينية:
القانون المزدوج يقدّم حلاً وسطًا بين المطالب العلمانية بالمساواة والمطالب الدينية بالحفاظ على النصوص الشرعية، مما يقلل من التوتر الأيديولوجي. - النزاعات الطائفية حول تطبيق القوانين:
بمنح كل طائفة حرية اختيار المرجعية القانونية، يمكن تقليل الاحتقان بين الجماعات الدينية، وتعزيز التعايش القانوني السلمي. - التمييز ضد المرأة في بعض المواد القانونية:
في القانون المدني المقترح، يتم إقرار المساواة التامة بين الجنسين، وهو ما يعالج كثيرًا من الانتقادات الموجهة للقانون الحالي، لا سيما من قبل منظمات حقوق المرأة.
خاتمة
إنّ طرح قانونين للأحوال الشخصية في سوريا ليس مجرد نقاش قانوني، بل هو اختبار حقيقي لمفهوم المواطنة المتعددة والعدالة التوافقية في مجتمع متنوع مثل سوريا. ورغم ما قد يحمله من تعقيدات وإشكاليات، فإن هذا المقترح قد يكون خطوة نحو بناء نظام قانوني أكثر شمولاً وعدالة، إذا ما تم تنفيذه بضوابط واضحة، وضمانات دستورية تحفظ وحدة الدولة وحقوق الأفراد على حد سواء.
